|
في يوليو 1958 وبمناسبة عيد الثورة الثامن نشرت مجلة المصور تحقيقاً عن الساعات الأخيرة من عرش الملك فاروق وكيف قضاها ، نقلاً عن أحد الضباط من الذين كانوا موجودين بالقصر في ليلة الثورة وهو ما يعطيه أهمية كبيرة ، إلا أن قراءة وتمعن ما فيه يجد أن به - وهذا بطبيعة هذه الفترة الذي نشر فيها هذا التحقيق - كثير من التجني على الملك فاروق ومحاولة تصويره بصور سلبية كثيرة ، وهذا ما دفعنا إلى أن نبحث عن الحقيقة برواية آخرين ، وقد امكن الحصول على مذكرات سليمان حافظ باشا وهو ممن سيأتي ذكرهم في الأحداث ، كما أمكن الحصول على جزء من مذكرات الملك فاروق نفسه ، وهذا يجعلنا أن نقرأ هذا الحدث الهام بثلاثة زوايا ورئى تجعل من تكوين صورة أقرب من الحقيقة ممكنا ً.
سنعرض أولاً تحقيق مجلة المصور للعام 1958 وستكون باللون الأزرق ومنقولة من المجلة كما جاءت حرفيا ً وسيليها مذكرات سليمان حافظ باشا باللون النبيتي ثم مذكرات الملك فاروق باللون الأخضر ثم تعقيب موقع تاريخ بورسعيد بعد ذلك ..

جلالة الملك فاروق ملك مصر والسودان
" كلام فارغ .. هأ .. هأ .. هأ هأ " وأرسلها فاروق ضحكة ساخرة عالية ، إرتجت لها حجرة الصالون الخاص بقصر المنتزه في الأسكندرية ، ثم عاد للرقص والغناء والموسيقى والصخب والضجيج ، والضحكات الجنونية التي كان يرسلها عقب كل نكته يرويها لمن حوله ، ويرغم الحاضلاين على مشاركته الضحك ولو كانت نكاته كالعادة سخيفة سمجة ثقيلة الظل .
كانت تلك إجابة فاروق على النبأ الذي تلقاه القصر في تلك الليلة ، ليلة 23 يوليو 1952 .
ففي الساعة الحادية عشرة من مساء يوم 22 يوليو 1952 ، دق جرس التليفون في قصر المنتزه ، وكان المتكلم اللواء أحمد طلعت حكمدار العاصمة ، قال أنه علم بوجود حركة بين ضباط الجيش ، وأنهم يعقدون إجتماعات مريبة في الظلام ويتجمعون في سلاح الفرسان . وعندما أخذ النبأ طريقه إلى فاروق ، أغرق في الضحك ، ووصفه بأنه كلام فارغ ، ثم عاد إلى سهرته .
في تلك الليلة كان فاروق قد أقام سهرة عائلية في القصر ، إحتفالا ً بإسماعيل شيرين زوج أخته الذي فرضه وزيرا ً للحربية في وزارة نجيب الهلالي التي تألفت صباح ذلك اليوم ، وحضرتها ناريمان وشقيقتاه فوزية وفايزة ، وزوجاهما شيرين ورءوف .
وبعد ربع ساعة دق جرس التليفون مرة أخرى في قصر المنتزه ، وكان المتكلم قائد الحرس الملكي بقصر القبة ، قال أن أحد الضباط أنبأه بأن أخاه وهو من ضباط الجيش غادر بيته بالقاهرة في ساعة متأخرة من الليل ، وقال لوالدته أنه سيشترك في القيام بحركة مسلحة هذه الليلة .
وحمل محمد حسن النبأ إلى الملك ، فسكتت الموسيقى لحظات حتى وقف فاروق على مضمونه ، ثم هز كتفيه وأطلقها ضحكة ساخرة عاصفة ، وقال :
- الجيش في جيبي .. مش معقول الكلام ده صحيح .. مش معقول أبدا ً ، على كل حال إتصلوا بحسين فريد رئيس هيئة أركان الحرب علشان يشوف إيه الحكاية .
وخرج محمد حسن ، وعادت الموسيقى والرقص والغناء والنكات السخيفة ، والضحكات الماجنة .
ومرة ثالثة دق جرس التليفون في مكتب الأميرالاي أحمد كامل قائد بوليس القصور ، وكان المتكلم الضابط النوبتجي بقر عابدين في القاهرة ، قال أن قوة من رجال البوليس الحربي إحتلت الميدان ، وأن الفريق حسين فريد موجود في القصر ، فإتصل به أحمد كامل وسأله عن الحالة فأجاب : دي حاجة بسيطة . أنا معي قوة وسأتحرك الآن إلى رئاسة الجيش .
وتوالت الأحداث بعد ذلك بسرعة البرق ، وإهتزت أسلاك التليفون بعنف تحمل نبأ خروج قوات من مختلف وحدات الجيش ، تحاول السيطرة على منطقة المعسكرات .
وماتت ضحكة فاروق على شفتيه ، وأمر بإستدعاء اللواء عبد الله النجومي في الحال . وجاء عبد الله النجومي ، فأمره الملك بأن يتصل فورا ً بحسين فريد في القاهرة ، ويسأله عن حقيقة الأحوال .
كان الوجوم وقت إذن قد بدأ يسيطر على ناريمان وفوزية وفايزة وشيرين ، وقد بدأ الشك يتسلل إليهم ، بينما حاول فاروق أن يتظاهر بالشجاعة وعدم المبالاة ، فرسم على شفتيه إبتسامة باهتة ، وقام يضع إسطوانة جديدة على الجراموفون وغاب النجومي ولم يستطع فاروق أن يكتم قلقه ، فتوقفت الموسيقى ، وخيم الصمت الطويل على الجميع ، وفي الساعة الواحدة إتصل فاروق بنجيب الهلالي وأمره بتحري الحقيقة بينما إنفضت السهرة ، في جو باهت شاحب تصطرع وراءه الشكوك في صدر فاروق واسرته .

وفي نحو الساعة الثانية صباحا ً ذهب النجومي إلى الملك ، وقال له :
- المسألة بسيطة جداً إتصلت برئاسة الجيش في القاهرة ، وقال لي الضابط النوباتجي أن الفريق حسين فريد نجح في معالجة الحالة ، وأن كل شيء هاديء الآن .
وإطمئن فاروق .. ونام ، ولو أنه عرف أن الذي رد على النجومي في القاهرة وقال أنه الضابط النوباتجي ، هو قائد الثورة جمال عبد الناصر ، لما عرف النوم سبيلا ً إلى عينيه .
وبعد ثلاث ساعات إستيقظ فاروق على نبأ إستيلاء الضباط الأحرار على مبنى رئاسة الجيش وإعتقال كبار الضباط ، والسيطرة على جميع مرافق العاصمة ، كما علم أن بيانا ً سيزاع من محطة الإزاعة في الساعة السابعة صباحا ً بإسم قيادة الثورة .
وإتصل الملك بنجيب الهلالي ، وطلب منه منع إذاعة البيان بأية وسيلة ، وأسرع الهلالي يتصل بمرتضى المراغي وزير الداخلية حتى يحول دون إذاعة البيان ، فكلف اللواء إمام إبراهيم بأن يتخذ الإجراءات اللازمة لقطع التيار الكهربائي عن الإذاعة .
وإتصل إمام بالمختصين في محطة أبي زعبل ، وطلب منهم قطع التيار فلما اجابوه بأن معنى قطع التيار عن الإذاعة حرمان مستشفى الجذام ومستعمرة العمال وشركة ماركوني من النور ، قال لهم : كل ده مش مهم ، فاهمين !
وإنقطعت الإذاعة فعلا ً ، ولكنها ما لبثت حتى عادت مرة أخرى تذيع بيان قيادة الثورة ، فقد أحس الضباط الأحرار بقطع التيار ، وإنطلقوا للإستيلاء على محطة الإرسال ، وإستمع الشعب لنداء قادته .. قادة الثورة .
وكاد فاروق يفقد صوابه وهو يستمع للبيان ، وعندما علمت ناريمان بالنبأ أسرعت إليه ذاهلة ، بينما هو يدور في الصالون الصغير الملحق بجناحه الخاص ويصرخ بين الحين والحين :
- مش معقول ، مش ممكن ، ثورة ؟! ثورة إيه ؟! إزاي الكلام ده !
في ذلك اليوم – 23 يوليو – كنت في نوبة الخدمة بين ضباط الحرس الخاص بقصر المنتزه ، وكانت مفاجأة لنا عندما رأينا الأميرة فوزية وزوجها يهرعان إلى الجناح الملكي في ساعة مبكرة من الصباح ، وعلى وجهيهما علامات الجزع ، وكانت ثورة فاروق العصبية بلغت أشدها .
وعندما دخلت فوزية ورأت أخاها يكاد يفقد عقله ، صاحت : إزاي رئيس الحكومة يسيب الحالة بالشكل ده ؟ مش قادر يعمل حاجة ؟
وكانما تذكر فاروق رئيس وزرائه ، فبعث في طلب حافظ عفيفي – رئيس الديوان – وقال له :
- إبعت هات الهلالي أوام
فأجاب حافظ عفيفي :
- الهلالي كتب إستقالته .. إتفضل
وقد حافظ عفيفي إستقالة الهلالي للملك ، فقذف بها إلى الأرض وقال :
- يعني إيه ؟ إزاي يستقيل من غير ما ياخد رأيي ؟ إيه الحكاية ؟؟ ماتفهموني !!
فاجاب حافظ عفيفي :
- الموقف دلوقتي في أيدي الضباط الحرار ، وعاوزين علي ماهر يبقى رئيس وزارة .
- عاوزيين !! شيء عجيب .. وانت رأيك إيه !
- القبول يا مولانا
- طيب أنا راح افكر في الموضوع
وبعد أن إنصرف حافظ عفيفي ، إلتفت فاروق لزوجته وشقيقته وزوجها وقال لهم :
- أنا هخللي الإنجليز والأمريكان يوروهم شغلهم .. خلليهم يفرحوا بأه
وقام فاروق إلى التليفون وطلب السفارة الأمريكية وسأل عن السفير ولما قيل له أنه غير موجود ، طلب من محدثه أن يبحث عنه في أي مكان ، ويطلب إليه الإتصال بالملك .
وجلس فاروق قليلا ً ، ثم قام يحاول الإتصال بالسفارة البريطانية ، ولكنه لم يفلح ، وعندئذ دق جرس التليفون ، وكان المتكلم السفير الأمريكي ، فقال له الملك أنه سيوفد إليه مندوبا ً ليحضره إلى القصر فورا ً .
وكان مندوب فاروق للسفير الأمريكي هو ( إيلي ) عامل اللاسلكي ، فقد ذهب وعاد بمستر كافري . وإستقبله فاروق في مكتبه ، ودار بينهما حديث قصير لم تستمع منه إلا العبارة التي قالها السفير وهو يسير بجانب الملك بعد أن خرج من غرفة المكتب .
- سأتصل بحكومتي .. وسابلغكم بالنتيجة .
وعاد فاروق إلى الغرفة التي جلست فيها زوجته وشقيقته وزوجها ، وقد ظهرت على وجهة علامات اليأس والخيبة ، وعندما سألته فوزية عما تم ، قال لها :
- مايقدرش السفير يعمل حاجة قبل ما يستشير حكومته ، على كل حال مش ممكن راح يسيبوا المسألة بالشكل ده .
ومرت الساعات بطيئة متثاقلة ، وحان وقت الغذاء ، وكانت مقابلة فاروق للسفير الأمريكي بصيص أمل إستراح له ، وجلس يتناول الغذاء مع أسرته .
وإنصرفنا نحن ضباط الحرس إلى غرفنا ، وجلس الضباط يتساءلون عن أسباب قيام الثورة ، ونشطتت التكهنات بينهم ، فمن قائل أنها قامت لتحقيق مطالب الجيش ، ومن قائل أن الضباط الحرار يطالبون بتسليح ، ومن قائل أنهم يريدون تقديم المسؤلين الحقيقيين عن الأسلحة الفاسدة إلى المحاكمة ، ولكن أحدا ص منهم لم يكن يظن أن الغرض هو تطهير البلاد من الحكم الفاسد وطرد الملك .
وبعد الظهر طلب حافظ عفيفي مقابلة الملك ، وقال له :
- الضباط الأحرار يصرون على تكليف علي ماهر بتشكيل الوزارة فورا ً.
فأجاب فاروق بعصبية :
- يعني أمر ؟
- أيوه
- إذن كلفة بتأليف وزارة دلوقتي ويبقى يجي هنا علشان يحلف اليمين بكرة .
وفي صباح اليوم التالي الخميس 24 يوليو إستيقظ فاروق من نومه مبكرا ً على غير عادته ،وبعد أن تناول إفطارة وطالع الصحف ، قام بجولة في القصر ثم علم أن علي ماهر سافر من القاهرة إلى الأسكندرية وقصد إلى فندق سان إستيفانو في موكب من رجال البوليس الحربي ، فأمر خادمه الخاص محمد حسن بأن يكلف الأميرالاي أحمد كامل بالذهاب إلى الفندق في ثياب ملكية ليرافق رئيس الوزراء المقبل عند مجيئة للقصر .
وجاء علي ماهر ، وكانت بينهما مقابلة باردة جدا ً ، وإعتمد الملك قائمة الوزراء التي قدمها له وإنصرف .
وإجتمع فاروق بأسرته بعد الغذاء ، وجلسوا يستمعون إلى إذاعة لندن ، وما كاد يستمع إلى نشرة الأخبار حتى أصبح وجهه ووجوه من حوله في صفرة الموت ، كانت محطة الإذاعة البريطانية تقول :
( أن لندن لن تتدخل في الأحوال الجارية الآن في مصر ، مادام السلام مستتبا ً والرعايا الإنجليز في أمان )
فقد فاروق أملا كبيرا ً كان يعتمد عليه ، وترك أسرته ونزل إلى الحديقة ، ومضى يذرع ممراتها بخطوات سريعة حينا ً متغازلة في كثير من الأحيان ، ثم عاد إلى أسرته وبعث في طلب ياوره الطيار حسن عاكف .
وجاء حسن عاكف ، فقال له فاروق :
- إسمع يا حسن أنا عاوزك تجهز طيارة بسرعة
وقال حسن بعد تردد :
- على فين يا مولانا !!
فأجاب فاروق :
- على بره
- بره !!
وسكت حسن عاكف قليلا ، وقد فهم أن فاروق يريد أن يهرب ، ولاحظ عليه فاروق تردده فقال له :
- ماتبقاش جبان .. الحكاية يومين بس وبعدين نرجع ووريهم شغلهم
فقال حسن :
- لكن جميع المطارات محاصرة ، والخروج منها مستحيل
ووجم الملك ، وصرف حسن ، ثم طلب جلال علوبة ، وعندما جاء قال له :
- المحروسة جاهزة ؟
فأجاب علوبة :
- أيوه .. بس
- بس إيه ؟
- بس القيادة أمرت بعدم تحركها
- والمدمرة محمد علي وأبراهيم اللي بيحرسوا المنتزه ؟
- برضه مش ممكن يطلعوا
- فيه مراكب تانية في المينا ؟
- أيوه فيه مركب طالياني ومركب أمريكاني
- نسافر على واحد منها
- لازم نستاذن القيادة
وهنا جاء " إيلي " عامل اللاسلكي ، ومال على الملك فاروق يهمس في أذنه شيئا ً ، فقام الملك وإنفرد به في حجرة مجاورة .
وفي الساعة السابعة إرتدى فاروق الردنجوت ، وقابل أعضاء الوزارة الجديدة ، وعندما إنتهوا من حلف اليمين ، أدار لهم ظهره في برود ، وخرج دون أن ينطق بكلمة .
وبعث فاروق في طلب خادمه الخاص محمد حسن ، وطلب منه أن يكلف أحمد يوسف السكرتير الخاص المساعد بوضع تقرير عن الحالة . وعكف السكرتير على وضع تقرير مفصل بالأحداث التي تمت ليلة الثورة ، إستقاه مما نشرته الصحف ، وقال فيه أن قيادة الثورة إتصلت في ساعة مبكرة من صباح اليوم بالسفارتين الأمريكية والبريطانية لإبلاغهما أن حركة الجيش هي حركة داخلية بحتة ، هدفها الإصلاح ، وقد إقتنعت السفارتان بهذا التأكيد .
واضاف أحمد يوسف في تقريره :
" وغادرت سفينة حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم ( المحروسة ) مرساها في الساعة الخامسة صباحا ً ، ورست على الشمندورة في الميناء الخارجي وقامت القوات البحرية بمنع جميع الزوارق من الإقتراب منها ، وتركت السفن الحربية المصرية مراسيها أمام رصيف البحرية الملكية ، وتفرقت في مواقف معينة من الميناء بحيث أحيط بالمحروسة واليخت الملكي ( فيض البحار ) .. وقد تم القبض على اللواءات و الأميرالايات من جميع اللواءات والأسلحة ، ما عادا اللواء سلامة يوسف الخبير بالقنابل والمفرقعات "
وعندما إنتهى أحمد يوسف من كتابة التقرير قدمه للملك بعنوان " نشرة الأخبار " ، فجلس يطالعه في غرفة نومه بدقة ، ويضع خطوطا ً بالقلم الرصاص تحت كل عبارة تهمه ، فمثلاً وضع خطاً تحت عبارة " غادرت سفينة " وكلمة " المحروسة " وعبارة " ما عدا اللواء سلامة " .
وفي ساعة متأخرة من الليل جمع فاروق أفراد أسرته ، وحملوا ما تيسر من أمتعتهم وخرجوا من الباب الخلفي للقصر بسيارة تحمل أرقاماً عادية وإنطلقوا إلى قصر رأس التين ، وبصحبتهم اللواء عبد الله النجومي .
وفي الصباح صدرت الأوامر لنا بالإنتقال إلى قصر رأس التين ، وقيل لنا أن الملك إنتقل إلى هناك ، لأن قصر المنتزه مترامي الأطراف ، ويصعب الدفاع عنه ضد أي عدوان ، أما رأس التين فهو قصر محدود ، وممكن الهروب منه بطريق البحر إذا تأزمت الأمور ، وكان الملك قد علم أن قوات الجيش تحركت من القاهرة في طريقها إلى الأسكندرية .
وعندما بلغت قصر المنتزه وجدته شبه قلعة عسكرية ، المدافع الماكينة الفيكرز هنا وهناك ، وسرية الهاجانة وسرايا الحرس تحتل أماكنها عند مدخل القصر وجميع قوات الحرس في وضع الطواريء .
وفي الساعة الثامنة صباحاً طلب الضباط الأحرار من علي ماهر إقالة سبعة من رجال الحاشية ، وتردد فاروق قليلاً عندما أبلغه علي ماهر النبأ ، ولكنه ما لبث حتى أذن عندما وجد إصراراً شديداً ، وفي الوقت نفسه داخله شيء من الإطمئنان ، فقد ظن أن مطالبة الثورة بإبعاد أفراد الحاشية تعني أنهم لن يتعرضوا له .
وهدأت الأحوال نوعاً ما في القصر يوم 25 يوليو ، وعندما أوى فاروق إلى فراشه كان يتوقع أن يطلب الضباط الأحرار في اليوم التالي " التشرف " بمقابلة جلالته .
وفي الصباح ، صباح يوم 26 يوليو ، وكانت الساعة السابعة فوجيء الملك بمن أبلغه أن قوات كثيرة من الجيش تضرب حصاراً قوياً حول قصر رأس التين ، فأصابه الهلع ، وخصوصاً عندما قيل له أن القوة تتقدمها الدبابات والمصفحات ، وأنها ترابط تجاه مبنى السيارات ، وهو يبعد عن القصر بنحو 300 متر .
وأصاب الهلع جميع أفراد الحاشية ، وتحول هدوء الأمس إلى خوف ورعب شديدين ، وبعث الملك في طلب قائد الحرس وسأله :
- أنت مستعد تقاوم ؟
- عندنا أسلحة قوية جداً ، لكن عددهم أكثر من عددنا ، وإذا إشتبكنا في معركة مع المهاجمين ستكون خسائرهم عشرة أمثال خسائرنا ، لكننا سنفنى جميعاً في النهاية .
- ومع ذلك لازم نقاوم
وحاول الكثيرون إظهار ولاؤهم للملك في تلك اللحظة ، وبينهم بعض ضباط الحرس الخاص ، وعندئذ بدأت ألعب دوري نحو تهدئة النفوس ، والتفاهم مع الضباط ، وذكرت لهم أن الغرض من حضور الجيش وذهاب قواته نحو مبنى السيارات هو القبض على الأميرالاي حلمي حسين ، وطلبت منهم التريث ، وقلت لهم أنه لاجدوى من مقاومة الدبابات والمصفحات مهما كان لدينا من أسلحة خفيفة .
وبعد قليل بعث رئيس الحرس في طلبنا ، وعندما ذهبنا إليه أمرنا بالذهاب إلى مبنى السلاملك ، حيث أن الملك وأسرته يجتمعون هناك ، وهو يريد أن يرى ضباطه حوله . ووزع رئيس الحرس على كل منا مدفعاً رشاشاً " تومي " وخزانتين تحتوي كل منهما على 15 طلقة .
وفي السلاملك رأينا الملك وحوله زوجته وأولاده ، وكان يقف بجانب عدة صناديق ذخيرة ، يرتدي بوشرت وبنطلوناً ، وعندما إقتربنا منه أمر بأن توزع علينا زخيرة إحتياطية ، وفجأة سمعنا صوت طلقات نيران من ناحية باب القصر ، وعندما سمع الملك صوت إطلاق النار ، إلتفت نحونا وقال :
- خليكو جنبي في اللحظة الأخيرة دي ، ولما تضربوا إبقوا إبعدوا عني شوية أنا والأولاد ، أحسن لما يردوا عليكم يمكن نتعور
فتفرقنا في أركان البهو الأسفل للسلاملك ، بينما غستقر الملك في الداخل وبجانبه ناريمان وأولاده ، وعلى مقربه منه وقف الأميرالاي توفيق زاهر ضابط الياوران النوبتجي والأميرالاي أحمد كامل قائد البوليس ، والأميرالاي أحمد أبو النصر ، قائد الحرس المشاة .
وإشتد صوت إطلاق الرصاص ، وتعالى ضجيج تقدم الدبابات وإندفع نحونا فجأة الياور النوبتجي ، وكان في حالة عصبية سيئة ، وقد أصيب بطلق ناري في قدمه ، وقال لنا أن اللواء النجومي والقائمقام عبد المحسن مرتجى والبكباشي أحمد صادق ، وضابط آخر لا يحضرني إسمه الآن ، خرجوا من القصر للتفاهم مع قادة الثورة ، التي تضرب الحصار ، فإعتقلتهم وجردتهم من أسلحتهم وحملتهم سيارة جيب إلى جهة غير معلومة .
وما كاد الملك يسمع هذا النبأ حتى إنهارت قواه ، وبدأ يرتجف ، وأمر قائد الحرس بأن يتفاهم مع القوات المتقدمة لوقف إطلاق النار ، فأمرني الأميرالاي أحمد أبو النصر بأن أمر على مواقع قوات الحرس داخل القصر ، وأبلغهم الأمر الملكي بوقف إطلاق النار .وإنطلقت إلى مواقع الحرس ، ونبهت عليهم ألا يطلقوا النار إلا إذا صدرت إليهم الأوامر مني شخصياً ، وأن هذه هي رغبة الملك . وتوقف إطلاق النار بين الجانبين ، وبعد قليل حضر الملحق العسكري الأمريكي وقابل الملك على إنفراد ثم خرج . وإستدعى الملك علي ماهر وسأله عن سبب الحصار فقال له أنه لا يعرفه ، وعندئذ كلفه بأن يذهب ليستطلع الأمر بنفسه .

علي ماهر باشا
وفي الساعة العاشرة صباحاً جاء علي ماهر ، وقال للملك:
- الجيش يطالبك بالتنازل عن العرش للأمير أحمد فؤاد

إنذار الضباط الأحرار للملك فاروق
وأخذ الملك ، وأصفر لونه من هول المفاجأة ، ثم تمالك نفسه وقال :
- مفيش حل تاني غير التنازل
- دلوقت مفيش ، مع أنه كان فيه دايماً حل تاني وتالت ورابع ، لكن أنت اللي إخترت الحل ده بالذات
- الحرس بتاعي راح يقاوم
- الحرس بتاعك مش وياك
- ورايحين يعملوا إيه معايا ؟
- حياتك مضمونة
- وأولادي ؟
- برضه مش راح يجرى لهم حاجة
- وأموالي ؟
- ما أقدرش أقول لك شيء عنها دلوقت
ورضخ فاروق للإنذار ووافق على أن يغادر الأراضي المصرية في الساعة السادسة مساء ، ثم وقف يجفف عرقه ، ولحق بأسرته التي سبقته إلى الحرملك وكان يسير وهو يقتلع قدميه من الأرض إقتلاعاً .
وتذكرت في تلك اللحظة يوم مولد الأمير أحمد فؤاد ولي العهد ، ففي ذلك اليوم لاحظ الملك قلة عدد المهنئين في ميدان عابدين وقال :
- البلد دي مش حييجي عليها سنة إلا تكون من غير ملك
وبدأ الإستعداد لرحيل فاروق وأسرته ، ودار الحديث عن المرافقين الذين يرغبون في السفر معه إلى الخارج ، ليكونوا حرساً خاصاً للملك الجديد. وعادت الرءوس تزن الأمور مرة ثانية . وبدات " أطفش " الكثيرين من فكرة مرافقتهم للملك وعندما إلتقى عقربا الساعة ، وأعلنا الثانية عشر ظهراً ، جاء من قال أن سليمان حافظ وكيل مجلس الدولة في طريقه إلى " البلك " أي المكان الذي يقيم فيه الملك ، ويحمل وثائق التنازل .

سليمان حافظ باشا
وأسرع الأميرالاي أحمد كامل للترحيب به ، وعندما بلغ سليمان حافظ البهو ، رايته يتقدم بخطوات ثابته ، ويرتدي سترة قاتمة وبنطلوناً رمادياً وحذاء أبيض . وقدم أحمد كامل مقعداً كبيراً ليجلس عليه سليمان حافظ ، بينما أبلغ الملك بنبأ قدومه .
وبعد ربع الساعة دخل الملك في " البوشرت " الصيفي لزي أمير البحار ، وإتجه مباشرة إلى منضدة رخامية صغيرة وسط البهو ، فلحق به سليمان حافظ ، وتمتم بين شفتيه شيئاً ، رد عليه فاروق قائلاً :
- انا مقدر .. الظروف عاوزه كده ..
وأخرج وكيل مجلس الدولة من الغلاف الذي يحمله وثيقة التنازل ، فقرأها بصوت عال ، ثم سأله :
- التنازل ده له سند قانوني ؟
فأجاب وكيل مجلس الدولة :
- أيوه يا فندم
- منين ؟
- من الدستور
- طيب ممكن أضيف لعبارة " بناء على إرادة الشعب " كلمة " وإرادتنا " ؟
- مادام أمراً ملكياً يبقى الإرادة الملكية واضحة فيه
- يعني مش ممكن تعديل الصيغة ؟
- دي آخر ما إستطعنا الوصول إليه
- ليه ؟ .. كان فيه ورقه تانية ؟
- لأ
- أقسم بشرفك
- بشرفي

وثيقة التنازل عن العرش
ووقع فاروق وثيقة التنازل بيد مرتعشة ، إضطرب معها القلم في يده وجاء الإمضاء غير طبيعي ، ولاحظ أن شفتي سليمان حافظ تتحركان فقال له :
- أعذرني .. الموقف عصيب شوية .. أنا راح اوقع تاني
ووقع فاروق الوثيقة مرة أخرى ، في الجزء العلوي منها ، وأعطاها لسليمان حافظ فطواها ووضعها في غلافها ، وحيا الملك وإنصرف .
ورايت الملك بعد توقيع الوثيقة ينتحي مقعداً جانبياً بجانب منضدة صغيرة وقد تجمعت كل علامات الأسى في عينيه ، ويبدو أنه أحس فعلاً بأن الورقة التي حملها سليمان حافظ سحبت العرش من تحته ، والتاج من على رأسه.
وإلتف أفراد الحاشية حول الملك ، بوللي يجلس متربعاً على الرض ، وبجانبه " إيلي " مهندس اللاسلكي ، الأميرالاي أحمد كامل يقف إلى يسار الملك ، ونحن ضباط الحرس نقف على مبعدة بجانب قائدنا القائمقام أحمد ابي النصر ، ودخل الشماشرجي يسأل الملك :
- نحضر الملابس ؟
- أيوه بدلتين صيفي ملكي
وإنصرف الشماشرجي ، بينما تساقطت الدموع من عيني بوللي وقال :
- أنا أعمل إيه دلوقت ؟ .. أعمل إيه ؟
فأجاب الملك وهو يشير إليه بيده مهدئاً :
- ماتخافش ، ماتخافش ، انا طلبت آخدك معايا
وهنا جاء " كافاتسي " مدرب الكلاب ، وإنضم للواقفين حول الملك ، وكان قد سمع عبارة الملك الأخيرة ، فقال وهو يشير لبوللي :
- ده يمكن يقتل نفسه لو ماراحش مع جلالتك
وعندئذ طلب بوللي من الملك أن ينفرد به لحظات ، فإصطحبه إلى حجرة مجاورة غابا فيها قليلا ، وعندما عادا كانت علامات الإطمئنان بادية على وجه بوللي ، وإنطلق إلى خارج الحجرة مباشرة .
وهنا إلتفت أحمد كامل إلى بعض ضباط الحرس وسألهم :
- مين يحب يسافر مع الملك
والحق أن معاملة الملك لنا ونحن حرسه الخاص ، لم تكن تشجع أو تطمئن أو توحي بالإحترام أو الثقة ، أو أي شيء يدعو للتضحية في سبيله والإشفاق عليه في محنته .
إننا على الرغم من عملنا في القصر ، لم نكن نجرؤ على مجرد الإقتراب منه ولذلك عجبت للقدر الذي جعل الملك " يتنازل " ويسمح لنا بالوقوف بجانبه ، بل والتحدث إليه . لقد ضاعت منه تلك الهيبة التي كانت تقف بنا بعيدا ً عنه ، وفقد ذلك الكبرياء الذي كنا نحبس معه أنفسنا وهو يمر بنا .
في تلك اللحظة تذكرت بوللي غادر القصر فجأة ، وخشيت أن يكون وراء خروجه هذا ما وراءه ، وكانت تعليمات الضباط الأحرار تقضي بالتحفظ على بوللي وعدم السماح له بمغادرة البلاد ، فإن وجوده يفيد الثورة في الكشف عن أسرار فاروق ، وإمدادنا بالمعلومات التي تفضح حقيقته .
فغادرت المكان ، وأسرعت إلى قشلاقات الحرس وسألت عنه الصاغ حسن حمدي الجمال ، فقال لي :
- بوللي وحلمي حسين مستخبيين في القشلق دلوقت ، وأخشى إذا عرف الجيش يفتكر أننا ضد الثورة ، وإنت عارف شعورنا من أول ضابط لآخر عسكري . ومش عايزين نصطدم بالجيش أبدا ً .
وأسرعت إلى " البلك " مرة أخرى ، وكان الملك لا يزال في مجلسه ، فإنتحيت جانبا بالقائمقام أحمد أبي النصر قائد حرس المشاة ، وقلت له أن بوللي وحلمي حسين قفزا من السور الفاصل بين بيت حلمي حسين والقشلاق ، وإختبآ هناك وقلت له أن ضباط الحرس يحتجون على هذا التصرف ، وطلبت منه أن يبلغ الأمر للملك .
وأبلغ أبو النصر النبأ للأميرالاي أحمد كامل ، فحمله بدوره للملك ، فرد الملك على أبي النصر مباشرة قائلا :
- هات بوللي هنا وسلموا حلمي حسين للجيش
فأسرعت إلى القشلاقات وحملت حلمي حسين في سيارتي ، وكان الهلع باديا على وجهه ، فطمأنته على نفسه ومضيت به إلى الخارج . وعند الباب كان هناك " كردون " من جنود المدفعية بقيادة اليوزباشي خالد فوزي ، وكان يعرفني معرفة سطحية من أيام حرب فلسطين ، ففوجيء بي وأنا أتقدم نحوه ، ولكن جنوده قطعوا طريقي وطلبوا مني أن أترك مدفعي الرشاش في السيارة ، ففعلت ثم قلت لخالد فوزي أنني أريد تسليم حلمي حسين للجيش فقال لي :
- أن قيادة الثورة المكلفة بتنفيذ أوامر الثورة يومئذ موجودة في طابية قايتباي بقيادة البكباشي عبد المنعم أمين ، ويمكنك أن تذهب إلى هناك .
وعدت إلى سيارتي بحلمي حسين ، لكنني لم اجد المدفع الرشاش ، فمضيت به إلى طابية قايتباي ، وهناك حار البكباشي عبد المنعم أمين ماذا يفعل بحلمي حسين إذ لم تكن لديه أوامر بخصوص أي فرد من الحاشية ، ولكنه تسلمه بعد أن سألني عن غسمي ، ثم عدت إلى القصر لأنفذ الشطر الثاني من الأمر الملكي وهو الذهاب ببوللي إليه .
وذهبت ببوللي للملك ، فوجدته على جلسته السابقة ، وقد إنضمت إليه الملكة ناريمان والأميرات ، والعجيب أن مظاهر الأبهة زالت عنهن جميعا وعرفت عيونهن كيف تنخفض إلى الأرض ، وعندما رأى الملك بوللي يدخل معي إبتدره قائلا وهو يدلله بإسم الدلع :
- أيوه يا بلبل .. خليك هنا ، أنا حاخدك معايا
وعندئذ همست في أذن القائمقام أبي النصر :
- ياخده معاه إزاي ؟ إفرض دلوقت الجيش يعرف أنه لسه بيحمي الناس دول ، ويروحوا ضاربينه وهو معاه في البحر ، ما بلاش ياخده علشان يخرج سليم أحسن
ونقل أبو النصر همساتي لأحمد كامل ، وإنتحى أحمد كامل بالملك بغرفة مجاورة بينما قلت أنا لبوللي :
- مش أحسن تسيب الراجل يخرج لوحده وبلاش تسببوا له إشكالات تهيج الثورة عليه وعلى الملك الجديد ؟ .. كفاية بقى
وإنضم لي في رأيي عدد كبير من ضباط الحرس ، وتجاوز أحدهم فجعل يصب اللعنات على بوللي وبقية أفراد الحاشية وعندما سمع بوللي هذه العبارات إنهالت دموعه غزيرة في الوقت الذي عاد فيه فاروق ، فربت على ظهره قائلا :
- معلهش يا بلبل ، أنا مش راح أقدر أخدك معايا ، إتأكد أنهم مش رايحيين يعملوا فيك حاجة ، أنت مالكش دعوة ، خليك هنا ومحدش عارف الظروف فيها إيه ؟
فأجاب بوللي بصوت مختنق :
- لو مولانا يأمرني أدخل الأوده اللي جوه ونضرب نفسي بالرصاص أنفذ بسرعة
وبكى بوللي بصوت عال ، وعندئذ لمست كتفه ومضيت به غلى الخارج ، وسلمته هو الآخر للبكباشي عبد المنعم أمين ، ثم عدت للقصر .
كان الخدم يعدون الحقائب بينما مدرب الكلاب " كافاتسي " يحرق بعض الأوراق خارج القاعة التي جلس فيها الملك وأسرته وأفراد حاشيته .
كانوا جميعا يعملون في حالة ذهول تام ، حتى أن الملكة – كما قال لي أحد الضباط الذين سافروا مع فاروق إلى المنفى – حملت معها ست حقائب وضعت فيها ثيابها ، وعندما فتحتها في إيطاليا وجدت ثلاثة منها مملوءة بالأحذية وكانت تظنها ثيابا مما يدل على شدة الإضطراب التي سيطرت عليها يومئذ .
وطلب الضباط الذين رغبوا فيي مرافقة فاروق أن يذهبوا إلى بيوتهم ليجمعوا ثيابهم بالإضافة إلى الثياب التي لديهم في القشلاقات ، ولكن الملك قال لهم :
- مش ضروري ، انا أشتريلكم كل حاجة من إيطاليا
ثم إلتفت الملك لبناته وقال لهن :
- تحبوا تيجوا معايا وإلا تستنوا مع ماما ؟
فبكين جميعا .. وعندئذ قال لهن :
- طيب تعالوا معايا
في ذلك الوقت جاء شقيقتاه فوزية وفايزة وزوجاهما شيرين ورءوف ، وصعد الجميع إلى الطبقة العليا ، بينما نقلت أمتعة فاروق وأسرته إلى اللنش ، حتى يحملها إلى المحروسة وبعد نصف ساعة نزل الملك إلى الطابق الأسفل ، ومن ورائه الملكة وبناته ومربيتهن وشقيقتاه فوزية وفايزة والمربية افنجليزية تحمل بين ساعديها الطفل ولي العهد.

كان الملك يرتدي زي أمير البحار البيض ، والملكة ترتدي " تايورا " لونه بني وتضع على عينيها منظارا أسود ، بينما إرتدت كل من بناته " تايورا " يتألف من جاكته حمراء و " جوب " كحلي وإصطف حرس الشرف على رصيف رأس التين .

وكان علي ماهر والسفير الأمريكي يسيران وراء الملك ووقف فاروق في إنتظار حضور ممثلي القيادة ، وما غن وافت الساعة السادسة مساء إلا بضع دقائق ، حتى أخذ يتطلع إلى ساعته كل ثانية ، وعندما بلغت الساعة السادسة تماما ، وتبين ان الموعد المحدد في الإنزار لمغادرته البلاد وهو السادسة قد حان قال :
- انا ما أقدرش أستنى أكثر من كده ، الإنذار إنتهى الساعة ستة ، انا لازم أمشي
وإتجه الملك إلى السلم المؤدي إلى اللنش الذي سينقله إلى المحروسة بعد أن تسلم العلم من حامله ، ثم حيانا وقال :
- نشوف وشكم بخير
وأسرع اللنش بفاروق وأسرته بعد أن صافح شقيقته ومودعيه ، بينما كلفت أنا بمرافقة الأميرتين فوزية وفايزة ، حتى لا تتعرضا للعدوان عندما تعودان إلى بيتهما .
وإستقبل الجمهور فوزية وفايزة في الطريق أسوأ مقابلة بالرغم من الظروف القاسية التي مرت بهما يومئذ ، مما يدل على أن الشعور العام كان معبأ فعلا ضد الملك واسرته .
وعندما عدت إلى ثكنات الحرس ، فوجئت بالبكباشي " وقتئذ " أحمد أنور يطلبني تليفونيا من القاهرة ويسألني :
- هل غادر الملك البلاد ؟
فأجبت :
- رحل غير ماسوف عليه
فقال :
- الحمد لله
وهكذا إنتهى يوم 26 يوليو سنة 1952 بطرد الملك وتولي الشعب ممثلا في قادة ثورته أمر نفسه بنفسه ، ولن يتنازل الشعب ابدا عن سلطاته
وقد روى سليمان حافظ دوره فى كيفية اقناع الملك فاروق بالتنازل عن العرش فيقول
آويت الى فراشى ليلة 26 من يوليو سنة 1952، وأنا مرهف الحواس اتوقع حدثا قبيل الفجر، ولم أكد انم الى ان طلعت الشمس فسألت نفسى هل كذبنى ذلك الشعور الخفى الذى تملكنى عندما غادرت معسكرات مصطفى باشا فى منتصف الليل بعد مقابلة طويلة مع القائد وضباطه.
وساورنى قلق مبهم وأنا ارتدى ثيابى واستعد للاخطار بيد انه لم يدم الا قليلا اذا سمعت جلجلة الدبابات على طريق الكورنيش فى سبيلها الى قصر المنتزه «حيث يقيم فاروق».. ثم يواصل قائلا: وبعد دقائق وصل المستر سارك من السفارة الامريكية واخبرنى فى لهجة يخالطها الكثير من الانفعال ان الجيش يحاول اقتحام القصر بالقوة وأن ذلك ليس فى مصلحة احد، فأفهمته اننى لست من رجال السياسة بل اننى المستشار القانونى لرئيس مجلس الوزراء!
ويمضى حافظ فى سرد دوره فى تلك الليلة وتفاصيل لقائه مع الملك فاروق قائلا: كان الملك يبدو هادئا لكننى لاحظت من سرعة خطواته ومن سعلات قصيرة سريعة كانت تنتابه عند مجيئه انه كان فى حالة انفعال عصبى، يعمل جهده للسيطرة عليه!!
وكيف اهتز الملك ووقع مرتين على خطاب التنازل عن العرش.. وانه قال ان لديه فى الخارج من المال ما يكفيه ليعيش عيشة بسيطة ولكنه يرجو لو بقيت امواله فى المملكة المصرية على حالها، حتى يؤول الميراث الى اولاده فإن تعذر ذلك فإنه يود ان توزع عليهم من الان بنسبة حصصهم الميراثية فوعدته كذلك بالعمل بقدر المستطاع على تحقيق هذه الرغبة.
ويروي الملك فاروق ما حدث في هذه الجزئية فيقول
كنت دائماً أوثر الصمت في صبر من أجل عرشي وأتحمل اللوم المرير بحكم الاعتياد، فعندما بلغت الثامنة عشرة من عمري كنت قد استوعبت درساً قاسياً أحاطني بهالة من التوجس والحذر، فكل رجل من رجال البلاط من الممكن أن يصبح عدواً وكل مستند من الممكن أن يكون فخاً وأن أي معروف أصنعه أو هدية أقدمها قد يساء فهمها وربما استخدمت كسلاح ضدي، فإذا احتفيت برجل فذلك يعني أنني سأمنحه سلطة ما!! وإذا ساورتني نفسي بالتحدث مع أحدهم حديثاً خاصاً فعلى الفور تنطلق التخمينات والشائعات التي قد تصل الى حد الادعاء بأنني أفشيت بعض أسرار الدولة، وهكذا اعتدت أن وجهة نظر خصمي هي التي تصل الى أسماع الناس دائماً حتى كدت لا أصدق أنني أصبحت الآن حراً شأن بقية الناس ويمكنني التفكير بعمق والتحدث بسلاسة في محاولة لتحليل الذات، وأذكر في لقائي الأخير مع إدوارد الثامن ـ ملك بريطانيا سابقاً ـ أنه كان منشغلاً بكتابة الفصل الأخير من مذكراته فقال لي عبارة ما زالت عالقة بذهني: "إذا شاءت الأقدار أن تكتب أنت أيضاً مذكراته في يوم من الأيام فسوف تفاجأ بأن الأحداث التي تود سردها كثيرة جداً لكن المشكلة الكبرى أن أفضل الأحداث وأكملها هي التي لا يمكن نشرها على الإطلاق!!". وهكذا وجدت نفسي مدفوعاً لنشر قصتي عن حقيقة ما حدث الآن فقط أخرج عن صمتي لأن الوقت المتاح لمعرفة الحقيقة ربما يكون قصيراً، في لحظات الثورة، والانقلاب العصيبة راودتني أيضاً فكرة الاتصال بالإنكليز لكنني أقلعت عن فكرة الاستعانة بالإنكليز نهائياً ولم أجد لدى أي رغبة في إنقاذ حياتي على أسنة القوات الأجنبية على مرأى من شعبي فإذا كان التدخل الديبلوماسي هو الحل الوحيد أمامي فإن أميركا هي التي يجب الاعتماد عليها وهكذا تلبدت الأجواء تماماً. وأخيراً وصل سكرتير السفير الأميركي واخترق الحصار ليؤكد دعم بلاده ومؤازرتها من خلال تعليمات السفير، له بالبقاء معي، وبنفس الاهتمام والرغبة الفعلية في المشاركة أوفد ملحقه البحري الى محمد نجيب للحصول على تأكيدات فورية للحكومة الأميركية تضمن سلامتي وسلامة عائلتي، ومن المؤكد أن أميركا أنقذت حياتنا في ذلك اليوم العصيب، ولم ينته الإعصار بعد فقد ذهب علي ماهر للتحدث مع المتمردين فعاد حزيناً ويداه ترتعشان ولكني لم أندهش، فقد كنت أحس بداخلي بالأنباء التي يحملها فقال لي: إنهم يصرون على التنازل عن العرش لابنك بحلول الساعة الثانية عشرة ظهراً، وأن تغادر مصر بحلول السادسة مساء فنظرت الى عقارب ساعتي وكانت تشير الى العاشرة وأربعين دقيقة، ولكني لم أشعر أنني في حاجة الى دقيقة واحدة لأفكر في الأمر فشكرته وقلت له: إنني مستعد لتوقيع التنازل فوراً إذا توافر شرطان أولهما أن تكون أوراق التنازل رسمية ودستورية وألا تحتوي على أي إساءة والشرط الثاني: أن يسمح المتمردون لقواتي الخاصة بوداعي وأداء التحية العسكرية، كنت منفعلاً بالحدث المباغت، لكنني أصررت على هذين الشرطين حتى لا تكون قصتي مريرة حين يقرأها ابني، فقصص الملوك لا تكتب في المذكرات فقط ولكنها تسجل في كتب التاريخ الموثقة بالأحداث الفعلية، وانصرف علي ماهر وتركني مع زوجتي وبناتي فشرحت لهن أنني بحلول المساء سأكون في المنفى، وطلبت من كل واحدة منهن أن تذهب وتفكر في هدوء وشرحت لهن أن الأمر لن يكون سهلاً فإذا سافرن معي فربما لا يعدن الى مصر أبداً، وقلت لزوجتي فكري جيداً يجب ألا ترافقينني شفقة أو عطفاً لأن الشفقة لا تدوم ومن الأفضل أن نفترق الآن حتى لا يكره أحدنا الآخر فيما بعد، فأنت لا تزالين صغيرة يمكنك بدء حياة جديدة بدوني، كما أنك قد لا تشاهدين والدتك مرة أخرى! فأمسكت إبهامي بيدها الصغيرة وهي حيلة كانت تلجأ إليها لبعث الطمأنينة في نفسي. وبدأت الاستعدادات الرسمية للرحيل. وفي قرابة الواحدة بعد الظهر جاءني سليمان حافظ حزيناً متأثراً معه أوراق التنازل عن العرش وبتهدج شديد قال لي: فلتلمس عذري يا مولاي وليسامحني الله كنت أتمنى أن أطلق النار على نفسي ولا أحضر هذه الأوراق إليك.. لم يكن أمامنا سوى ساعات قليلة لكي نجمع ممتلكاتنا، وقد ابتسمت في مرارة وسخرية للأحاديث التي انطلقت لتعترض من وحي الخيال وما أخذناه من متعلقات وأمتعة ولكنني أؤكد أننا لو استطعنا أن نأخذ أكثر مما أخذناه لفعلنا، ولكن الحقيقة المرّة هي أن كل ممتلكاتنا الشخصية تقريباً كانت في القاهرة، فلم نأخذ معنا إلا احتياجاتنا لقضاء فترة الصيف في قصر المنتزه وأثناء مغادرتنا العاجلة لقصر المنتزه هرباً الى قصر رأس التين لم نأخذ إلا حقيبة سفر لكل منا تحتوي على الضروريات وهكذا غادرنا مصر الى المنفى ومعنا أقل القليل فسافرت بصحبة 60 فرداً بمن فيهم أفراد حراستي وقدّرت أمتعتنا على ما أظن بـ150 صندوقاً للثياب، إضافة للحقائب واللفائف بمعدل ثلاثة صناديق لكل فرد، فعلى سبيل المثال كان كل ما يخص ابنتي فادية طقمين من ملابسها وعلبة ألوان، وأما متعلقاتي فكانت بدلتين وملابس غير رسمية وستة قمصان، بينما كان نصيب ناريمان سبعة أطقم من ملابسها وهكذا سافرنا الى المنفى وملابسنا تكفينا لشهر واحد! جاءت والدة ناريمان واختاي فوزية وفائزة وزوجاهما لوداعي بينما كانت أختي فائقة في هلسنكي مع زوجها الذي كان يمثل مصر في الألعاب الأولمبية. وقبل الموعد المحدد للمغادرة ارتديت بدلة البحرية الرسمية تعبيراً عن احترامي وتقديري لبحريتي المخلصة ثم استدعيت ضباط قصري المخلصين وطلبت منهم مصاحبة وصيفات الملكة بأسلحة نارية ترقباً لأي مضايقة أو إهانة للسيدات، وذهبت زوجتي وأطفالي الى المحروسة في الخامسة وخمس وأربعين دقيقة، ثم توجهت الى رصيف الميناء حيث اصطف حرس القصر وحراسي السودانيون في وضع انتباه فتفقدت آخر قول شرف وقمت بتحية العلم ووقفت انتباه عند عزف النشيد الوطني، وقد نشرت صحيفة "الديلي تلغراف" في صفحاتها الأولى صوراً لبحارة المحروسة وهم يبكون وأنا أخطو على المعدية الصغيرة، ولكن الصحيفة منعت وقام رقباء نجيب بطمس الصور باللون الأسود. وفي تمام السادسة قمت بتحية علي ماهر والسفير الأميركي كافري وطبعت على خدهما قبلة الوداع، وطلبت من علي ماهر انتظار نجيب خمس دقائق أخرى وإخباره بأنني انصرفت طبقاً لتعليماته وأثناء إبعاد المرساة ظهر لنش مسرع بداخله رجل صغير الحجم هو محمد نجيب ومعه ستة ضباط آخرون فوقفت بالقرب من الممر لاستقبالهم، فتقدم نجيب وصافحني فقلت له: آسف لأنني لم أنتظرك فطبقاً لأوامرك كان لا بد أن أغادر البلاد الساعة السادسة فاحمر وجهه واضطرب قائلاً: أنا لست مسؤولاً عن الذي حدث! كنا نأمل خيراً بهذا الانقلاب، لكن الأمر خرج من أيدينا وتطورت تداعيات الموقف لأبعد مما كنا نتصور!
وهكذا عرضنا لكم ما في أيدينا لهذه اللحظات الحاسمة من تاريخ مصر وهي تودع الملك فاروق والملكية وتبدأ العصر الحديث للجمهورية ولكن لابد لنا من التأمل فيما حدث في تلك الأيام من ميلاد حركة الجيش والتي تطورت بعد ذلك لتكون ثورة .. نتأمل جيدا ولننتظر الجزء الثاني
 |